أسلوب القرآن في عرض أهدافه، ومقاصده أسلوب يأخذ بالألباب، فتارة يصرح وأخرى يكنّي، ومرة يبين ويفصل وحينًا يجمل ويعمّم، وهكذا نجد أن الله لما ذكر الناقضين لعهدهم الذي أعطوه بأن لا يولوا من المعركة، ذكر عاقبة هذا التصرف بأنه لن يمّر دون سؤال، وهذا الأسلوب أبلغ في هذا المقام من أسلوب التصريح بماهية العقاب وكنهه، إن مقام السؤال أمام الله جل وعلا مقام عظيم ورهيب، وكيف ستكون حال الإنسان الضعيف وهو يقف أمام الباري - عز وجل - ليسأله عن جريرة اقترفها وذنب عمله: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً) (الأحزاب:15) .
وتصور هذا الموقف كاف للزجر والتهديد. والمصير السيئ ينتظر الناقضين لعهد الله، والنهاية المهلكة مآلهم ومستقرهم، والدار دار سوء لا دار سعادة وفلاح، ولقد حقت عليهم لعنة الله ومقته (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (الرعد:25) .
12- آثار أخرى:
ذكرت فيما سبق أبرز الآثار وأعظمها، وهناك آثار أخرى ذكرها القرآن وصفًا للناقضين لعهودهم، الخائنين لمواثيقهم، رأيت أن أجملها في فقرة واحدة، لاشتراكها في كونها أوصافًا يكتسبها أولئك كأثر من آثار غدرهم وخيانتهم.
فبنوا إسرائيل لما أخذ الله عليهم الميثاق ألا يعتدوا في السبت خانوا وغدروا فكيف كانت عاقبتهم؟ لقد جعلهم الله قردة خاسئين، جزاء لسوء فعلتهم وخسة طباعهم: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة:65) وفي الأعراف: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (الأعراف:166) .