ولقد جاء الإسلام فوجد الجزيرة العربية تعيش في فوضى وتنتابها القلاقل، لا تعرف للاستقرار مذاقًا، الكبير يأكل الصغير، والضعيف لا يأمن غدر القوي، وعند نشأة الدولة الإسلامية الأولى، كان من أولى دعائم أسس هذه الدولة إقامة العلاقة التي تبنى على الاحترام والتقدير، ومن هنا جاءت العهود والمواثيق بين الدولة الإسلامية الفتية وسائر التجمعات والقبائل المتاخمة لها، أو من تربط معها بمصالح سياسية أو اقتصادية أو عسكرية. وشاع بين القبائل والشعوب أن هذه الدولة لا تعطي عهدًا ولا توقّع ميثاقًا إلا كانت رائدة في الوفاء به وحسن أدائه، لا يعرف عنها الغدر ولا الخيانة، حتى في أحلك الظروف وأقساها، بل إنها تنصف من نفسها قبل أن تطلب الإنصاف من الآخرين، وهذا مما لم تعهده تلك الأمم والقبائل قبل ذلك، فسارعت الإمارات والقبائل والطوائف بطلب الأمان وعقد الميثاق، لتنعم بالاستقرار بعد طول عناء واضطراب، فأرسلت الوفود وأذعنت لسياسة مثلى تسجل صفحة بيضاء في جبين التاريخ.
ولقد جاء القرآن الكريم يرسم بعض معالم تلك السياسة ويحدد مبادئها، وإطارها الذي تسير فيه، وبهذا كانت العلاقات الدولية مجالا من المجالات التي توثقت بالعهود والمواثيق، وكان ذلك عاملا حاسمًا من عوامل انتصار وانتشار الدولة الإسلامية ودعوة الإسلام.