وقد ذكر الله أخذ الميثاق على بني إسرائيل في سورة الأعراف، وبعد آية الميثاق مباشرة جاء قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (الأعراف:170) ثم جاء بعدها متصلا بيان رفع الطور على بني إسرائيل وأمرهم بأخذ التوراة وإعطاء الميثاق على ذلك. ويأتي ذكر العهد في سورة التوبة بصيغة الاستفهام الإنكاري الذي يحمل في ذاته التعجب: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:7) .
ثم يذكر أسباب عدم جواز استمرار العهد وأنه لابد من إنهائه عاجلا أم آجلا، ولكن القرآن بأسلوبه الرائع للوصل إلى غاياته ينقلنا نقلة أخرى يتغير معها الحكم والوصف: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: من الآية11) .
لا عهد مع المشركين، ولكن إن تابوا وعبدوا الله حق عبادته بإقامة أهم أركان العبادة: الصلاة والزكاة، فإن لهم عهدًا آخر، وهو عهد الأخوة في الله، أقوى وثاقًا وأشد رباطًا.
ويأتي ذكر العهد - أيضًا - في ركن من أركان العبادة التي أمر الله بها، وهي الزكاة وسائر فروع النفقة في سبيل الله (¬1) دليلا على أهمية هذا الركن ووجوب أدائه، وسوء عاقبة من خان عهده في ذلك: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (التوبة:75) الآيات .
¬__________
(¬1) - انظر تفسير الطبري 10/188.