وأما قول الهاروني لمعين الدين الجشتي: "بَخٍ! قد انتهى عملك"؛ فإنه يدلُّ بظاهره على أنه أراد سقوط العبادة والأعمال عن معين الدين بعد النداء الذي زعم أنه سمعه من الروضة، وهذا من أقوال الملاحدة الذين يزعمون أنهم إذا حصل لهم العلم والمعرفة؛ سقطت عنهم العبادة، ويحتجُّون بقول الله تعالى: (واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ اليَقِينُ)، ويقولون: معناها: اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة، فإذا حصل ذلك؛ سقطت العبادة.
ذكر ذلك شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمة الله تعالى؛ قال: "وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل لك حال، فإذا حصل لك حال تصوُّفي؛ سقطت عنك العبادة! وهؤلاء فيهم مَن إذا ظنَّ حصول مطلوبه من المعرفة والحال؛ استحلَّ ترك الفرائض وارتكاب المحارم، وهذا كفر".
قال: "وأما استدلالهم بقول الله تعالى: (واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ اليَقِينُ)؛ فهي عليهم لا لهم؛ قال الحسن البصري: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت"، وقرأ: (واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ اليَقِينُ)، وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين، فأما أن يُظَنَّ أن المراد: اعبده حتى يحصل لك إيقان، ثم لا عبادة عليك؛ فهذا كفر باتفاق أئمة المسلمين" انتهى المقصود من كلامه ملخصاً، وهو في (ص 417 - 420) من الجزء الحادي عشر من "مجموع الفتاوي".
وقال ابن كثير في الكلام على قول الله تعالى: (واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ اليَقِينُ): "يُستدلُّ بهذه الآية الكريمة على أن العبادة – كالصلاة ونحوها – واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، ويُستدلُّ بها على تخطئة مَن ذهب من الملاحدة
