ثالثا: إذا ثبت قانون شرعي وقاعدة شرعية عامة مثل:" ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى "، يقول الإمام مالك: إذا وجدنا بين هذه القاعدة الضخمة الكبيرة وبين جزئيات الأدلة تناقضا، نأخذ بالقاعدة ونترك هذه الجزئيات.
مثال ذلك: الحديث الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها:" إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه". قال مالك هذا يتناقض مع القاعدة التي مرّت معنا سابقا (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وبناء على ذلك فلا ذنب للميت إن بكى أهله عليه فلم يأخذ بالحديث.
ولكن الشافعي مثلا وهو تلميذ مالك أخذ بالحديث وقال إنّ عذاب الميت في قبره هنا هو عذاب نفسي وليس عقابا من اللّه عز وجل وإنما هو عقاب خاص يأتي نتيجة لتصرفات أهله، فهو يتألم من فعل أولاده ويتمنى لهم الصلاح لأن اللّه تعالى يطلعه على أفعالهم التي قد لا تخلو من معاصي وأمور مختلفة تكون سببا لغضب اللّه تعالى عليهم.
مثال آخر: الإمام مالك وحده يفتي بعدم نجاسة لعاب الكلب وكذا رشحه ولكن الحديث الصحيح يقول:" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعا إحداهن بالتراب". قال مالك من المتفق عليه أنه يجوز استعمال الكلب في الصيد والكلب إذا اصطاد لا بد أن يمسك الطريدة بفمه ويصيبه من لعابه لذلك أخذ بالقاعدة العامة التي تفيد جواز صيد الكلب، ثم قال عن هذا الحديث انه مضطرب وهذا دليل ضعف فقد ورد الحديث بعدة روايات (أولهن - أخراهن - إحداهن بالتراب).
رابعا: الأخذ بالاستحسان وهو عبارة عن جزئية صغيرة اقتضتها مصلحة دينية ثابتة في كتاب اللّه وإن عارضت هذه الجزئية مبدأ كليا ويؤخذ به استثناء.
