إذا كان الصحابة يتواصون بالتدقيق في مسألة الاجتهاد بعد الشروط التي ذكرناها كلها، كما كانوا يتواصون فيما بينهم بالتريّث والفهم الشديد وعدم العجلة في الإفتاء، فها هو عمر لمّا أرسل كتابه لأبي موسى قال له بعد أن أمره أن يتتبع نصوص القرآن والسنّة فإن لم يجد، قال له:" الفهم، الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أي لا تستعجل، تريّث وفكّر وتأمّل.
ولا بد من الإشارة إلى أنّ سيدنا عمر رضي اللّه عنه هو أول من فصل سلطة القضاء عن رئاسة الدولة، ففي عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعهد أبي بكر كان كل منهما رئيس الدولة والقاضي في آن واحد. وفي عصر عمر، عند ما اتسعت الفتوحات ولم يعد يجد الوقت كافيا لأن يجلس مجلس القضاء ومجلس إدارة أمور المسلمين، عندئذ فصل سلطة القضاء عن سلطة رئاسة الدولة وعيّن أول قاض أثناء خلافته وهو جريج رضي اللّه عنه ... وكان الصحابة لا يجيبون على سؤال فرض لم يقع بعد، فإذا سألهم سائل عن مسألة ما، كان أحدهم يجيب:" هل وقعت هذه المشكلة التي تسأل عنها؟ فإن قال لا ما وقعت بعد ولكننا نحب أن نعلم إن وقعت هذه المشكلة ما ذا نصنع! كان الصحابي يجيب:" إذا وقعت فاسألوا عنها أمّا الآن فقد كفانا اللّه مهمة البحث في أمر لم يقع". فهم لا يريدون توسيع نطاق الاجتهاد إلى أكثر من الحد الضروري، وهذه سياسة كانت متّبعة من قبل جميع علماء ذاك العصر.
