يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة، والمحاجة، والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية، وذلك أن فرعون، قبحه اللّه، أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى، وزعم أنه الإله: فَحَشَرَ فَنادى (23) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (24) وقال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي وهو في هذه المقالة معاند، يعلم أنه عبد مربوب، وأن اللّه هو الخالق البارئ المصور الإله الحق، كما قال تعالى: وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته والاظهار أنه ما ثم رب أرسله: وما رَبُّ الْعالَمِينَ لأنهما قالا له: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين الذى تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما؟ فأجابه موسى قائلا: رَبُّ السَّماواتِ والْأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) يعني رب العالمين، خالق هذه السماوات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتجددة، من السحاب والرياح، والمطر والنبات، والحيوانات التي يسلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بد لها من موجد ومحدث وخالق، وهو اللّه الذى لا إله إلا هو رب العالمين قالَ أي فرعون، لِمَنْ حَوْلَهُ من أمرائه، ومرازبته، ووزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام: أَلا تَسْتَمِعُونَ يعني كلامه هذا. قالَ موسى مخاطبا له ولهم: قالَ رَبُّكُمْ ورَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد، والقرون السالفة في الآباد، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه، ولم يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين، وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزع عن ضلالته، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه
